موقع الشاعر عبدالرحمن الابنودي
قصائد وصور للشاعرالأبنودي

 

 

 

 

/01/2007

إمبارح كنت مع العظيم عبد الرحمن الأبنودي


امبارح كنت مع الأستاذ الرائع عبد الرحمن الأبنودي أحد أروع شعراء العامية في تاريخنا المعاصر... بيني وبينكم ما كنتش مصدق إني قاعد مع هذا الرجل المذهل... عبد الرحمن الأبنودي يا جماعة طلع مش بس شاعر رائع لكن الراجل دا إنسان جميل فوق ما حد يتخيل... ابن نكتة لأبعد حد ومتواضع بشكل يعجز اللسان عن وصفه... ابتسامته الساحرة تخليك مش عايز ترفع عينك من على وشه المصري على حق

أول حاجة قلتها للراجل الرائع ده إن التاريخ يا أستاذ أبنودي لسة ما اداكش حقك... بس مسير التاريخ يفوق ويعرف غلطه ومسير الناس في بلادنا تعرف يعني إيه عبد الرحمن الأبنودي... عبد الرحمن الأبنودي لمن لا يعلم مش بس أحد أروع شعراء العامية الذين عرفتهم مصر لكنه رجل كرس نحو ربع قرن من عمره لأجل التأريخ العلمي والموضوعي لأحد أعظم أدبيات التراث العربي على الإطلاق وهي السيرة الهلالية التي طاف وراءها مدن الصعيد بمصر بلد بلد ونجع نجع عشان يجمع أجزاء سيرة بني هلال ثم من مصر وصعيدها الجواني إلى تقريبا كل الدول العربية التي تتواجد فيها بقايا قبائل بني هلال وغيرها من قبائل العربان التي تحفظ السيرة الهلالية وترددها وتغنيها.... والرجل بما قام به ليس فقط أنه سجل وجمع أجزاء السيرة الهلالية كلها وأرخ لها لكنه حفظ هذا التراث القيم - هو كنز ثقافي لا يقدر بمال الدنيا للي يدرك يعني إيه تراث - للتاريخ لأجيال بعد أجيال لذلك فمن حقه علينا جميعا أن نكرمه ونوفيه حقه وهو بيننا

حكيت مع الأستاذ الأبنودي عن حاجات كتير منها أحوال بلدنا واللي بيحصل في بلدنا والطائفية البغيضة اللي بتطل براسها علينا بين الحين والآخر وافتكرنا سوا قصيدته الرائعة التي كتبها للقدس وشعبها المصلوب بيد اليهود... تلك القصيدة الرائعة التي غناها الراحل عبد الحليم حافظ في لندن عقب هزيمة يونيو 1967 وتقول كلماتها


ياكلمتي لفي ولفي الدنيا طولها وعرضها .
وفتحي عيون البشر للي حصل علي ارضها
علي ارضها طبع المسيح قدمه
علي ارضها نزف المسيح ألمه
في القدس في طريق الآلام ..وفي الخليل رنت تراتيل الكنايس
في الخلا صبح الوجود انجيل
تفضل تضيع فيك الحقوق لامتي ياطريق الآلام
وينطفي النور في الضمير وتنطفي نجوم السلام
ولامتي فيك يمشي جريح ..ولامتي فيك يفضل يصيح
مسيح ورا مسيح ورا مسيح علي أرضها
تاج الشوك فوق جبينه وفوق كتفه الصليب
دلوقت ياقدس ابنك زي المسيح غريب غريب
تاج الشوك فوق جبينه وفوق كتفه الصليب
خانوه... خانوه نفس اليهود
ابنك ياقدس زي المسيح لازم يعود ..علي أرضها

طبعا الأغنية دي نادرة جدا وأنا حطيتها النهاردة عشان تسمعوها معايا مع إهداء شخصي لكاتبها الجميل عبد الرحمن الأبنودي ودا اللنك بتاعها للي حابب ينزلها

على فكرة الأبنودي دا اللي كتب
عدى النهار ، أحلف بسماها وبترابها ، أنا كل ما أقول التوبة ، الهوى هوايا لعبد الحليم و عيون القلب لنجاة طبعا، وآه يا أسمراني اللون لشادية وللرائع منير كتب شوكولاتة ، كل الحاجات بتفكرني ، من حبك مش بريء ، برة الشبابيك ، الليلة دي

أستاذ عبد الرحمن الأبنودي تحية لك من قلب مصر يا ابن مصر الوفي ومستنيين من تاني شعرك يِقَوِّم مصر من تاني ثورة وتحدي ف وجه كل ظالم ... ربنا يخليك لينا

 

 



310 ‏السنة 126-العدد 2003 مايو 1 ‏صفر 1423 هـ الخميس

حوارات - ‏أزواج‏..‏ وزوجات‏
الشاعر‏..‏ والمذيــعة‏!‏
عبدالرحمن الأبنودي‏:‏‏ وعمل الشاعر لا يختلف عن عمل الفلاح‏!‏
نهال كمال‏:‏ نحرص علي أن نربي ابنتينا بعيدا عن الأضواء‏!‏

حوار‏:‏محمد يوسف التهامي

برغم فارق السن بينهما‏,‏ فإن الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي وزوجته مذيعة التليفزيون نهال كمال يكملان بعضهما البعض‏..‏ وينعمان بحياة سعيدة خاصة بعد أن أصبحت أسرتهما مكونة من أربعة أفراد بعد انضمام آية ونور عبدالرحمن الأبنودي إليها‏.‏

*‏ ماهي العوامل التي أثرت في تكوين وجدانك الشعري؟
‏**‏ الطفولة الفقيرة جدا أو الفنية جدا في نفس الوقت وهي التي جعلتني أكتشف الحياة وأحمل هذا الهدوء فأنا لا أسعي وراء الكسب فلا أكتب إلا ما يتطابق معي تماما فعشت حياة تنقلت فيها من الرعي الي المشي خلف الحصادين ومن يجنون القطن فهذه الحياة الفقيرة قي القرية جعلتني منذ طفولتي أدرك معني الحياة في وقت مبكر وهذا ما جعلني دائما حين أتحدث لا أتحسس الكلمات وإنما والطبيب لابد أن يكون له وظيفة في الحياة وعليه الالتحام بها ومحاولة التأثير فيها وإلا فلن يذكره التاريخ علي مر الزمن وأؤمن بأن الشعر الذي لا يقرأ في زمنه لا يقرأ فيما بعد وأري أن الإعلام العالمي يمسح الذاكرة وينحدر بالثقافة إلي أبعد الحدود فلابد أن نشغل كل هذه القوي الثورية فينا وطاقة الوعي لخدمة هذه الأمة والالتحام معها والنضال معها مهما تكن التضحيات‏.‏

*‏ بعيدا عن الشعر‏..‏ ماذا عن حياتك الخاصة والأسرية؟
‏**‏ زوجتي نهال كمال مذيعة ناضجةعي الخاص بالمرأة المصرية والعربية وهي تجيد الاطلاع وتستمع إلي ملاحظاتي وإلي انتقاداتي وأنا أيضا أستمع إليها لأنها قارئتي الأولي ولديها حس كبير في تذوق الشعر ونقده وهي إنسانة رائعة ونقية جدا‏.‏

*‏ وراء كل رجل عظيم امرأة فهل يصدق عليك هذا المثل وهل كان لزوجتك نهال كمال تأثير علي تألقك الشعري؟
‏**‏ بغض النظر عن المقولة حرفيا لكن لابد أن تحيا في إطار يتيح لك العطاء والإنتاج ومن هذا الجانب فإن نهال كمال تعرف متي أكون في أحوال الكتابة؟ وتستطيع الانزواء بصورة حقيقية حتي انتهي من الكتابة‏.‏

*‏ ماهي هواياتك المفضلة؟
‏**‏ هواياتي المفضلة أولا صيد السمك النيلي وليس البحري علي الرغم من أننا نقيم كثيرا في مدينة الإسماعيلية ومنطقة القناة إلا أنني أحب الصيد في النيل لأنني علي خبرة كبيرة بأسماك النيل منذ الطفولة وأنا مؤمن بأن من يصطاد السمك الصغير تكون لديه قدرة حقيقية علي الصيد والفهم لأن أصعب أنواع الصيد هو صيد السمك الصغير‏.‏
ثانيا أحب الزراعة فلي منزل صغير بمدينة الإسماعيلية وبه حديقة أزرع بها أشجار المانجو والزهور وأعشق الزراعة عشقا كبيرا ولو ترك لي الأمر لذهبت إلي الإقامة هناك دائما بين الأشجار والزهور والنباتات ماعدا ذلك أحب الضحك كثيرا والمسامرة وأعتقد أنني أمارس ذلك في بيتي مع زوجتي وبناتي أو في الخارج مع أصدقائي فأنا لا أحب العبوس ولا أحب الوجوه المتجهمة‏.‏

وتتدخل المذيعة نهال كمال في الحوار قائلة‏:‏

توجد هوايات كثيرة مشتركة بيني وبين زوجي عبدالرحمن الأبنودي منها قراءة الشعر والقراءة عموما ومشاهدة الأفلام الأجنبية‏.‏

*‏ هل واجهتكما صعوبات في بداية حياتكما؟
‏**‏ بالتأكيد مثل مايواجه أي زوجين في بداية حياتهما مثل اختلاف الطباع وكذلك فارق السن واختلاف بعض السلوكيات وكيف يتخلي كل طرف عن بعض رغباته لإرضاء الطرف الآخر وعن بعض طقوس حياته حتي يتواءم مع الحياة الجديدة فهو كان يحب السهر وأنا كانت لي فترات نوم محددة فأنا منظمة في مواعيدي ولكنه بشكل عام يحب الأكل أو النوم في أي وقت ولكن أنا لي مواعيد محددة في النوم والأكل‏.‏

*‏ ماذا عن آية‏..‏ ونور؟
‏**‏ نحاول إبعادهما عن الشهرة والأضواء لتكون تربيتهما سليمة بعيدا عن أي تأثير سلبي‏.‏

*‏ ما تأثير شهرة الشاعر عبدالرحمن الأبنودي علي المذيعة نهال كمال؟
‏**‏ الناس سعيدة بنا معا حينما يراني أحد يسألني عنه فتوجد علاقة ود بيني وبين الناس من منطلق حب الناس للأبنودي فنلت جزءا من هذا الحب‏.‏

*‏ ما أبرز المزايا والعيوب التي يتمتع بها زوجك الشاعر عبدالرحمن الأبنودي؟
‏**‏ طبعا الشاعر دائما يعيش بأعصابه فهو عصبي خاصة في حالة الإبداع‏..‏ أيضا متوتر ولابد للزوجة أن تعلم متي تبتعد عنه وألا تكون داخل حياته كما أنه فوضوي إلي أبعد الحدود‏,‏ ومع ذلك يرفض أن يقوم أحد بترتيب أوراق مكتبه غيره‏.

 

روافد: مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودي "الجزء الأول"
 
 
 
 
 
 
 
اسم البرنامج: روافد، مقدم البرنامج: أحمد علي الزين، تاريخ الحلقة: الجمعة 16/9/2005

ضيف الحلقة: الشاعر عبد الرحمن الأبنودي (الجزء الأول)
أحمد علي الزين: في بيوت الشعراء تعثر على القصائد على ديوان العربي وصهوة النشيد, على البلاغة وبحور الشعر وتداعيات النثر والحداثة، ولكن في بيت هذا الصعيدي الملوح بشمس "أبنود" المجبول بترابها وبلهجة أهلها تعثر على الحكايات والسير على لغةٍ من نوعٍ خاص وقصيدةٍ من نوعٍ خاص, ولكأنه للتوّ حط رحاله وسط القاهرة قادماً من صعيده، وقد حمل معه القرية، حمل ما استطاع من زمانها وأشيائها، فرد ديوانه للسمر وزيّن جداره بالهلاليات والسير وفتح مشربيةً تطل على الماضي وجهز ركناً للأصدقاء وآخر للحنين، والديوان منعقد دائماً في باله، أما الشعر بلدي مجروح كالغناء العتيق يأتي من حكمة الأسلاف ووجع الراهن والأوطان.

قصيدة للشاعر في ناجي العلي

أماي وإنت بترحي بالرحا على مفارق ضحىوحدك وبتعددي على كل حاجة حلوة مفقودةما تنسنيش يما فعدودة عدودة من أقدم خيوط سوداء في ثوب الحزنلا تهللي فيها ولا تولولي وحطي فيها اسم واحد مات كان صاحبي يماواسمه ناجي العلييا قبر ناجي العلي وينك يا قبريا قبر مدهون بشوك مطلي بصبرالموت يقرب عليك يرتد خوف وإذا ما خفش الموت يرتد جبريا قبر ناجي العلي يا دي الضريحكان ميتك للأسف وطني فريحتحتك فتى ناضر القلب غض كان قلبه أرض مخيمات الصفيح أحمد علي الزين: ليش اخترت هذا المكان تحديداً..عبد الرحمن الأبنودي: الركن..أحمد علي الزين: هذا الركن لحتى أنا أسألك وأنت تجاوبني.

وحي المكان بالنسبة للشاعر

عبد الرحمن الأبنودي: أنا بصراحة معرفش أنا اخترته ولا إنت اخترته, لكن ده من أحب الأركان إلى نفسي اللي بحس دايماً إني أنا محمي، إني أنا في حراسة الناس اللي في الصور دول, يعني فوق الأستاذ محمد حسنين هيكل وأنا بعتبره أهم كاتب سياسي حقيقي في الأمة العربية، وأنو رجل بيعري يعني كل زيف في الواقع العربي وكل زيف السياسة العربية سواء في مصر أو الخارج، فهو يعني أنا سعيد بأنو يبقى إلى جواري، زي ما أنا جنبه بالصورة كده يعني أنا سعيد بإني أبقى تحت في هذا المكان، بعدين وراك على طول عمنا الكبير خالص عمنا نجيب محفوظ الروائي العالمي بتاع نوبل هو بقا يعني غير ده كله يعني من مجموع الصور دي ح تجد إنو إحنا أنا واحد من حرافيشه من أحبابه العاشقين, وإحنا نلتقي كل يوم ثلاث في مركب في النيل اسمها فرح بوت..أحمد علي الزين: حتى الآن؟عبد الرحمن الأبنودي: حتى الآن بس وأنت عارف دي فترة مريض فيها..أحمد علي الزين: وضعه الصحي لم يسمح.عبد الرحمن الأبنودي: ربنا إن شاء الله يعني ما تنساش أمي..أحمد علي الزين: الوالدة أنا بدي أسألك عنها..عبد الرحمن الأبنودي: أمي يعني ديه الشجرة المظلة أنا اللي مدين لها بعبد الرحمن الأبنودي كله, يعني أي ما تقولي من وين عن عبد الرحمن الأبنودي يعني ده عبد الرحمن الأبنودي المختلف كده عن الناس أقلك من الست ديه المختلفة عن الناس صبراً وتجربةً..أحمد علي الزين: واضح.. واضح أستاذ عبد الرحمن لأنو نحنا بدنا نتابع بالأهرام كل أسبوع كل جمعة تقريباً المقال الأسبوعي اللي هي فيها شيء ما يشبه السيرة "أيامنا الحلوة" ولكن لاحظت بعد ما قرأتها وهي صدرت في كتاب طبعاً يعني تصفحت أو قرأت وجدتها مليئة "أيامنا الحلوة" مليئة بالمرارة يعني كيف تصفها بالحلوة وهي على هذا القدر من المرارة.عبد الرحمن الأبنودي: لأ هي مش مرارة هي شقاء جميل, يعني أنا طبعاً أنا يعني ما كنش متصور في يوم من الأيام إني أنا أقعد معاك القعدة دي في القاهرة، أنا طفل ريفي كان المفروض أبقى ابن تجربة أبنود زيّ زي عيال عمي زيّ زي الولاد اللي في الشارع معاي هناك, رعيت غنم من وأنا سنيّ ست سنين يمكن..أحمد علي الزين: حاكي عن راعي الغنم..عبد الرحمن الأبنودي: أصغر من بنتي نور، مشيت خلف الحصادين ألمّ سنابل القمح اللي بتتبقى من وراهم عشان أعمل جبيضة صغيرة يعني له قيمة مش مجرّد مش لعب أطفال كان له قيمة موضوعية اجتماعية يعني في حياتنا، يعني جنيت القطن وكان فيضان النيل كانت المية تغمرنا لحد هنا, والناموس والعقارب والكلام من ده ونحنا منجمع القطن إلى آخره هذه التجربة وما كنتش بتفرج على القرية من خلف لوح زجاجي مثلاً ما كنتش بتفرج عليه زي اللي كتب على القرية من بلكوناتهم بلكونات أبناء الأثرياء..أحمد علي الزين: عشت بلحمها ودمها.عبد الرحمن الأبنودي: أنا بالفعل دايماً أنا أقول أنا من دود الأرض، عشان كده محدش يتجمّل علي لما أتكلم عن القرية, وبعدين لما أتكلم عن القرية المصرية يعني التجربة اللي عندي فريدة, يعني أنا حتى لما كتبت الشعر شعر ولما أعز صديقي أمل دنقل بدأنا شعراء فصحى رحت أقرا شعري ده للولاد اللي كانوا معاي في جني القطن ورعي الغنم كبروا بقى فرحت أقرأ لهم, فلأول مرة أحس أنو توجد حاجز بيني وبينهم اللي هو اللغة، كانوا بيدوّروا على عبد الرحمن بتاعهم في وسط يعني قرقرعة اللغة العربية الفصحى ما لاقونيش فيعني إيه حسّيت بده, وأنا قلت إذا أنا كنت عايز الناس دي تحبني وأنا مصرّ على هذه العلاقة فلا بد أن أكتب شعراً بلغتهم عن تجربتهم عن حياتهم، وأنا جيت بعالم مختلف حتى في فؤاد حداد في قصيدة يقول لي هل المراسلة ممكنة بالشعر يا عمي يا أبنودي, لأني كنت كاتب ديوان (جوابات حراج القط العامل في السد العالي إلى زوجته فاطمة أحمد عبد الغفار في جبلية غفار) ففي الجواب بعث لي إحنا قرية طاردة قرية الجبلين بيضغطوا على ضلوع النيل تبقى المساحة خضرا قليلة والصعيد منجب كما تعلم, فأبنود اللي أنا منها تحتفظ بثلث أبنائها وتطرد الثلثين إلى المناجم إلى المحاجر إلى المدن القرى..أحمد علي الزين: يعني زرعها لا يكفي للعيش.عبد الرحمن الأبنودي: لا يكفي للعيش أعمال أكثر من زراعة الحبوب والتجارة فيها، فركب الحراج ورحنا إحنا المدرسة وهو طبعاً جاء وقت طرده من أبنود فلقاه رجل مقاول قال له يا حراج إنت وهو كان كنا إحنا يعني نبقى تحت رجليه كده هو ضخم عامل زي النخلة وعريض وأول لعب الصعيد كنا نلعب بالليل ضربونا يا بونا لعب فتل حبال..أحمد علي الزين: قاسي لعب قاسي.

عودة للأعلى

رسائل شعرية بين الأزواج

عبد الرحمن الأبنودي: يمكن تلاقيه معلم في ظهر الغيب, صعيدي طلّعك رجل سواء أردت أو لم ترد, فقله يا بني أنا شايفك كده أنت مليح وكده ومخيب نفسك في البلد الفقرية دي, ما تيجي في القبلة في الجنوب يعني بيبنوا حاجة كبيرة اسمها السد العالي ما تيجي تشتغل تعملك قرشين وتبقى مليح؟ فالمهم بيسافر حراج ومن هناك بيبعث جوابات لمرته فاطمة قال لها في الجواب الأولاني:الجوهرة المصونة..والدرة المكنونة..زوجتنا فاطمة أحمد عبد الغفار..يوصل ويسلم ليها في منزلنا الكاين في جبلية الفار..قال لها أما بعد: لذا كنت هاوتك أسفي على التأخير.. والله ما كنت حخط بيدي حرف..سامحيني يا فاطمة في طولة الغيبة عليكم..وأنا خجلان.. خجلان..وأقولك يا زوجتنا أنا خجلان منكم من هنا للصبح..شهرين دي الوقت..من يوم ما عينيك يا فاطمة بلّت شباك القطر..لسوعت بدمعك ظهري يا داينة..لحظتها قلتلك قبل ما أوصل حتلاقي جوابي جاه..نهنهتي وقلتيلي بعتاب: النبي عرفاك إنت..نساي وحتنسى أول ما حتنزل في أسوان..ما عرفت ساعتها يا مرتي أضحك ولا أبكي..ما عرفت إذا كنت بعوز القطر يقف ولاّ يولّي..حسيت بعينيك يا فاطمة بتقلي وبتسكت وتقلي..حسيت واليد بتخطفها يد الجدعان..بالقلب في جوفي ما عارف إن كان..بردان دفيان..والبنت عزيزة والواد عيد قناديل في الجوف..زي ما بتضوي بتغيب والقطر تحرك وقلبي بيتنقل من إيد لإيد..تدللت بوسطي من الشباك..خذي بالك من الولد..راعي عزيزة وعيد..والقطر صرخ ورمحنا..وكأنه داس على بصة نار..ولقطت الحس قريب قد ما كنت بعيد..قلبي معاك يا حراج هناك في أسوان..ورميت نفسي وسط الجدعان..وبكيت..وبلدنا اللي كنا بنمشيها في نصف نهار..كان القطر في لحظة فاتها بمشوار..سامحيني يا فاطمة على التأخير..ولو الورقة يا بنت الخال تكفي لأعبيلك بحر النيل والله بكفي..وختاماً..ليس ختاماً ببعثلك ليكي وللناس الجبلية..والبنت عزيزة والواد عيد ألف سلام..زوجك الأسطة حراج..ملحوظة: اكتبي على المظروف أسوان زوجي الغالي..الأسطة حراج القط العامل في السد العالي..أحمد علي الزين: الله..عبد الرحمن الأبنودي: ده أول اللي يعني أول الديوان, فالديوان هو رسائل متبادلة بين حراج وبين فاطمة وإلى آخره..أحمد علي الزين: بين أهل أبنود في الغربة..عبد الرحمن الأبنودي: بين أبنود..أحمد علي الزين: والمقيمين.عبد الرحمن الأبنودي: هو بيتغير طبعاًَ في السد العالي..أحمد علي الزين: أستاذ عبد الرحمن.. أستاذ عبد الرحمن أبنودي لكأن أبنود وصعيد مصر ساكن فيك وفي وجدانك, يعني ما سر هذه العلاقة يعني شو سر هالإقامة الأبدية بوجدانك؟عبد الرحمن الأبنودي: أذكر صديقي الأديب السوداني العظيم جداً الطيب صالح..أحمد علي الزين: الروائي.

أبنود في الوجدان حتى النخاع

عبد الرحمن الأبنودي: أيوا طبعاً، بيقول لي: والله العظيم أنت حتخش النار عشان أبنود يا رجل مصمصت عظمي، الواحد بيقلك صباح الخير بتقله أبنود، والواحد بيقلك.. بتقله أبنود، يعني..أحمد علي الزين: شو هالسر أستاذ عبد الرحمن؟عبد الرحمن الأبنودي: لأني أنا أبنودي، أنا اسمي وحامل اسمها يعني بعدين عشان أحمل اسمها أحد أمرين إما أبقى نصاب أو أبقى رجل شريف جداً أليق بالتجربة الشريفة بتاع هذا القرية، وأنا مدين لهذه القرية بأني أنا فعلاً عبد الرحمن الأبنودي.[فاصل إعلاني]

عودة للأعلى

أسرة الشاعر الصغيرة

عبد الرحمن الأبنودي: يسعدني إني أنا أستضيف أسرتي الصغيرة جداً لأن أسرتي الكبيرة تقريباً ما فضلش منها حد، فدي أسرتي الصغيرة اللي هي نهال كمال زوجتي مذيعة التلفزيون.نهال كمال: أهلاً وسهلاً.عبد الرحمن الأبنودي: وآية الأبنودي بنتي الكبيرة.آية الأبنودي: ميرسي.عبد الرحمن الأبنودي: ميرسي أنت وحدة أبوكي من أبنود وأنا جاية تقولي لي ميرسي، ونور طبعاً نور ديه نوارتنا الصغيرة الجميلة ويعني أنا يسعدني إني أنا أقدمك، حتقولي..نور الأبنودي: شكراً.أحمد علي الزين: هنا اجتمع شمل اللغتين، شمل اللهجات وشمل العائلة، تحرسها آيات وأسماء الله الحسنى التي حفرت على باب عتيق بتأنٍّ, أما جسر البيت قصيدة للشيخ الأبنودي والود جاء من شموخ المتنبي وحكمة أبو العلاء المعري ليرفع سقف القصيدة إلى بهائها، كل شيء هنا في فضاء هذا المشغول من أغنيات فلاحي الصعيد يؤلف حكاية الشاعر، والشاعر حكواتي يغرف من نيله ماء القصيدة، ويعفر من شجر اليابسة الثمر البري، والبلاد قصيدة يحمّلها أمانةً للصغار فإن ضاعت البلاد على أيامه يعثر عليها الصغار في أيامهم القابلة.[قصيدة للشاعر]القدس.. قدسي يمامة صيف في غيتها..تطير تجيني بأشواقها وغيتها..فكراني من يد صيادها أنا غيتها..فكراني صوت الأذان الحي في حطين..[نور الأبنودي تتم القصيدة] ومخبي في ضلوعي قلبك يا صلاح الدين شايل صراخ اليتامىولوعة المساكين فكراني كفن الشهيد وخيمة اللاجئين وأول الأتكيةوآخر الهاربين.[آية الأبنودي]تجيني وتبوسنيوتملس على خدودي هاربة بحدودها لقدام تتحامى في حدودي تبكي على صدري دبكة حزن على عودي تبكي وفاكرة هدهدها وسكتهاأنا يلي من موت شرايينتنسب موتهاوصوتي يوم الغناء الباطلبلع صوتهاما فيش في قلبي ولا آهة أموتهاكل الآهات ميتةأنا حبيس همسي نزعت صورتها من بكرايةمن أمسيحطين لحطيني ولا قدس الهموم قدسيولا عارفة تنساني زي ما تهتونسيتها.

عودة للأعلى

زوجة الشاعر تحكي الحكاية

عبد الرحمن الأبنودي: نهال أنا عايزك تحكي يعني للناس بسرعة كده حكايتنا وحكاية أسرتنا كده وإزاي تجمع الشامي على المغربي, وإزاي اتلمّ الصعيدي على الإسكندراني.نهال كمال: يعني آخر حاجة كنت أتخيلها أنو إحنا ممكن نرتبط لأنه كان فيه علاقة يمكن هي صداقة لكن برضه هي علاقة تجمع بين الأستاذ وتلميذته، كنت دائماً بلجألك في إنك إنت تورّيني كتب..عبد الرحمن الأبنودي: كنتي تكتبيلي جوابات تقولي لي ابنتك.نهال كمال: آه ابنتك, وأهنيك في أعياد الميلاد وأقول لك ابنتك نهال، فطبعاً يعني كانت يعني نوعاً من الصداقة..عبد الرحمن الأبنودي: طبعاً أنت بتسمعي الكلام ده لأول مرة مش كده؟آية الأبنودي: آه.نهال كمال: طبعاً هو حاجة صعبة أوي إني أقول عبد الرحمن بيعني إيه قبل الجواز وبعد الجواز, لكن هو طبعاً عبد الرحمن قبل الجواز أنا كنت أعرفه كشاعر كبير، شعر العامية أنا ما عرفتوش إلا من خلال صلاح شاهين وبعده عبد الرحمن الأبنودي، فأنا كنت معجبة بشعره أولاً، وبعدين أعجبت بيه بعد كده كإنسان، طبعاً كإنسان ليه؟ لأن إحنا ممكن نلاقي كتير جداً يعني كتّاب نعجب بيهم أو شعراء لما نقابلهم في الحقيقة نلاقي شخصية إنّو فيه اختلاف كبير جداً بين شخصيتهم في الكتب أو اللي بيكتبوه وبين الشخصية الإنسانية الحقيقية، أنا حسيت أنو ما فيش فرق، عبد الرحمن الأبنودي شعره هو الإنسان اللي إحنا منقابله ومنشوفه يعني لو قريت شعره لو قابلته حتعرف هو مين عبد الرحمن الأبنودي.[قصيدة للشاعر]الليل جدارإذا يدن الديك من عليه يطلع نهاروتنطلق من قبضة الشرق الحمامة أم الجناحأم الجناح أبيض في لون قلب الصغارآه يا حبيبتي يا أم خصلة مهفهفة قلبي اللي مرعوش الأمان لسى بيحلم بالدفاوالشمس كلمة طيبةوفيها الشفاقلبي اللي كان قرّب يموتلسا بيحلم بالبيوت زي الخرز والضرب خيط حريرولاطم كل حيطوفي كل دار يترش حب الحب غيط يتنفس اللبلاب على الباب الكبيروبرضه ملضوم بالحريريا أم العيون الدفيانينلو تعرفي من فين سمار النيلمنين أوعك تقولي لأنو جوفه عبا طينأسمر لأن الشمس فوقه من سنينلو تعرفي طول السنين على شاب عريان البدنوبدرعاته المكشوفينوإنتي عينيك اسمروا من شيل الحنينولأنهم متكحلين بشيء حزينبشيء في كل عيون صحابي الطيبيناللي في عينيهم انتظاروالليل جدار إذا يدن الديك من عليه يطلع نهار

إشارات الموهبة عند الشاعر

أحمد علي الزين: بدي أسألك أستاذ عبد الرحمن الأبنودي يعني متى بدأت عندك هي إشارات الموهبة؟ مين حفزك على المضي بهالمشروع مشروع القصيدة وخاصةً القصيدة اللي مكتوبة باللغة العامية المحكية يعني؟عبد الرحمن الأبنودي: والله أولاً الوالد كان شاعر منفلت من خيمة عربية قديمة، يعني مثلاً عامل برده على نهج برده الإمام البوصيري دول لما أنا تولدت لقيتهم مطبوعين، وعامل ألفية في النحو على غرار ألفية ابن مالك، يعني ألفية في النحو يقول مولى المالك المعبود.. محمود معرف.. الخبر إيه.. وغيره فكان أنا يعني طبعاً ساكنّي شعر العامية، فبيقول لك مثلاً طبعاً اللي زي ده ما قداموش غير الحلم يقول لك: مين حطني طيرة يعني يا من جعلنيمين حطني طيرة وأحوم لفوقي وأنزل على المحبوب وأبل شوقي وهو في المية يعني مين حطني طيرة وريشي هنديأنا مش عارف لغاية دي الوقت يعني إيه ريش هنديمين حطني طيرة وريشة هندي وأنزل على المحبوب وأجيبه عنديفالرجل يعني قاعد في.. تحت العذاب ده كله ما يقدرش يبقى واقعي لأن الواقع مرير قاتل، فأنا مثلاً لما أقلك مثلاً هو ما يقدرش يتكلم عن الجنس ما يقدرش يتكلم عن حبه بسرعة يتكلم في القرية يدبحوه، فهو عايز إيه يوصف الحبيبة ورغبته فيها.. عندنا شجرة الرمان دي شجرة فاجرة الخضرة بهية الجمال يقول لها مثلاً:رمان على السواقي يا زارعة الرمان على السواقي رمانك المر اللي ما ينداقي لا يذاق يعني الرمان المر لو مديت إيدينا عليه تتقطع فأنا بس عايز أقولك إن دول منعرفش نعمل حاجة كده، لا على مستوى الجنس، ولا على مستوى الحلم ولا على مستوى التواصل الإنساني، لغاية دي الوقت نحنا في دماغنا حاجات قرينا بوّظت يمكن أفسدت تجربتنا العميقة البسيطة جداً بالحياة، فإحنا يموت الإنسان وهو تلميذ صغيّر عند شعبه بيتعلم منهم الشعر البسيط..أحمد علي الزين: عند أهله يعني.عبد الرحمن الأبنودي: صحيح.أحمد علي الزين: هل اتهمت مرة بتخريب اللغة؟ إنو لجأت إلى العامية وتركت الفصيح؟عبد الرحمن الأبنودي: آه طبعاً أول من اتهمني بذلك الوالد، إنو مزّق لي أول ديوان شعر بالعامية كتبته, اعتبر ده يعني شيء خارج يعني خروج على..أحمد علي الزين: خيانة هذه.عبد الرحمن الأبنودي: خيانة وعلى العرف وعلى.. وأنو تكسير تهشيم لعمود الشعر ولميراث الشعر وكلام من ده كله، فيما بعد طبعاً في أوائلنا قالوا إن نحنا منشجع الشوفينية والعنصرية ومنفصل شعوبنا عن الأمة العربية، طبعاً همّ فيما بعد يعني شفت مدينية وكلنا مش كده، فيما بعد اكتشف إن إحنا أول يعني أقوى من نبه الشعوب لقضية التحرر وقضية الترابط العربي والقومية العربية والنضال العربي والوحدة إلى آخره، فسكتوا من نفسهم سكتوا وصلنا لأن أنا حصلت في العام الماضي على جائزة الدولة التقديرية لأول مرة في تاريخ الشعر العامي، مع أنو قبلي عم بيرم التونسي وقبلي صلاح شاهين وقبلي عم فؤاد حداد لأول مرة في مصر يحصل شاعر على جائزة الدولة التقديرية في الآداب على شعره العامي.أحمد علي الزين: أستاذ عبد الرحمن الأبنودي المحطة الثانية بعد أبنود وين كانت القاهرة؟عبد الرحمن الأبنودي: هو مش بعد أبنود هو بعد قنا لأن من أبنود تجربتي الأولى ديي وبعدين لما انضمينا للوالد مرة أخرى رحنا جينا المدارس كانت في قنا وارتبطنا أنا وأخي أمل دنقل كنا غرباء في عالم يعني بمجرد ما كتبنا الشعر بعد حرب الـ 1956 اللي هو العدوان الثلاثي على بورسعيد, رحنا تدربنا على السلاح وغيره والكلام من ده وانتظرنا ياخذونا للجبهة ما أخذوناش نواحنا كنا بمستقبل يعني بدايات الشباب وكده فوجدنا نفسنا في يوم واحد بدل ما نحبط قعدنا كده قدام بعض فكان لنا قهوة كده وغيره، قال لي: ما لك مش على بعضك، قلتله أنت مش على بعضك قالي بس قلي إيه الحكاية؟ قلتله لا بس أبداً أصلي كتبت كلمتين, قلي طيب قولهم لي عشان أنا كمان كتبت كلمتين طلعنا الورقتين لقينا إحنا كتبنا يعني عمرنا الشعري بلش واحد, في لحظة واحدة في ليلة واحدة من موقف واحد, عشان كده كان لازم أمل دنقل يصبح أمل دنقل يعني إحنا جينا أنا وأمل هنا ندخل كلية الآداب, أنا عايز أدخل آداب قسم الإنجليزي والشيخ الأبنودي طبعاً مصرّ على أنو أنا إيه؟ لغة عربية, اللي أنا دخلتها بعد كده بعشرين سنة بس بمزاجي، فرحنا جينا أنا وأمل لقينا نفسنا الستينات دي كانت أو أواخر الخمسينات كانت بتشجي بالأمسيات والندوات ويعني كان فيه إرهاصات أدبية منتظرة..أحمد علي الزين: في العالم العربي نعم وبالعالم أيضاً.عبد الرحمن الأبنودي: فكان نادي القصة, ورابطة الأدب الحديث ورابطة الشاعر إبراهيم ناجي, ورابطة الخ.. يعني كله وجمعية الأدباء، فنسينا إنّو نحنا جايين ندرس وخلاص كل ليلة بتاع ونقول شعر طردنا وخلاص, وإحنا غلابة يعني ما فيش حاجة إحنا جايين ندرس وبعدين لما لقيت الحكاية باظت خالص والوالد بعثلي مش عارف 40 جنيه مش عارف, رحت كان في صور الأزبكية ده عليه كل الكتب كتب كان يعني ترجمات كان تشتري الترجمات كلها مثلاً تدفع فيها مثلاً خمسة جنيه فبالأربعين جنيه رحت جبت صندوق كبير كده من بتاع لا مؤاخذة الأحذية عندنا صناديق خشب بتحط فيها الصناديق بتاع الأحذية واشتريت الكتب ديه كلها, ورحت حطيتها في البتاع وشلناها في عربية ووديتها القطر وشحنتها على هنا وشحنت نفسي وراها, وبعت المرتبة على البتاع على الحاجات اللي هي لزوم الطالب اللي يعمّر في القاهرة, بس ومشيت وراها هذه المكتبة مسؤولة عن كل أديب ظهر من هذه الأماكن التي كان لا يمكن أن يظهر منها أديب.
الدار العراقية / عبد الرحمن الأبنودي: السينما في حياتي مجرد مصادفة
2007-08-07  3:47:48 AM

  

 


الابنودي
 

07/08/2007  أجرى الحوار: محمد القدوسي
عبد الرحمن الأبنودي اسم اعتدنا أن نذكره مسبوقا بصفة 'الشاعر'، مع أنه مبدع متعدد الوجوه، هو الشاعر ـ طبعا ـ وهو أيضا كاتب صحافي، ودارس للتراث ومحقق له، لا باعتباره الباحث الذي جمع 'السيرة الهلالية' وحفظها من الاندثار فحسب، لكن ـ أيضا ـ نظرا إلى المهمة التي يقوم بها حاليا لنفض الغبار عن جانب مجهول من تاريخ فن الزجل، وبين هذا وذاك فإنه يمتلك رؤية موثقة عن 'ابن عروس' وما نسب إليه من رباعيات.
ومن وجوه هذا المبدع التي تحتاج إلى مزيد من التعريف بها وجهه ككاتب درامي، قدم أعمالا للمسرح والسينما، وهو الوجه الذي حاولت تقديمه على 'مرآة' هذا الحوار.
سألته عن الأفلام الثلاثة التي شارك فيها بكتابة السيناريو والحوار، وعن صلته بالسينما فقال إنه لم يعتبرها ـ كما لم يعتبر المسرح ـ مهنة. ولأن الاستغراق في العمل الذي يقوم به جزء من طبيعته، أشار في نهاية الحوار إلى برنامجه التلفزيوني 'صباح الخير يا خال'.
سألته عن بداية تجربته مع السينما، فأجاب:
تجربتي السينمائية محض صدفة، مثل كثير من إبداعاتي. قلت لك من قبل إن الشعر كان محض صدفة، حين عرفنا ـ أمل دنقل وأنا ـ أننا لن نذهب إلى 'بورسعيد' للمشاركة مع المقاومة الشعبية أثناء العدوان الثلاثي (1956) فخرج الشعر تلقائيا ولم أكن أقصد إليه. كذلك فإن الكتابة النثرية كانت بضغط من الأصدقاء مسؤولي الصحف، وهي تجربة كنت مرعوبا منها، إلى أن طمأنني الناس شيئا فشيئا، وحققت الكتابات جماهيرية، وبالذات 'أيامي الحلوة' التي كنت أنشرها في 'الأهرام'، وقدمتها مع زوجتي نهال كمال في حلقات رمضانية تلفزيونية.
حتى تجربتي الغنائية حكمتها ـ دائما ـ المصادفة، والواقع أنني أكره الكتابة، لا أحبها وأخوضها مجبرا.

شيء من الخوف

بدأت مع فيلم من علامات السينما المصرية هو 'شيء من الخوف'، فهل كان هذا بالمصادفة؟
نعم، فقد كنا مجموعة أصدقاء: حسين كمال مخرج الفيلم، وصلاح ذو الفقار منتجه، وبليغ حمدي واضع موسيقاه، وشادية بطلة الفيلم، وكنت قد كتبت لها بعض الأغنيات، وكانت في ذلك الوقت زوجة صلاح ذو الفقار. كنت في عمل ما باستديو 'نحاس'، حين التقيت المخرج حسين كمال فصرخ في قائلا: 'أنت فين، أنا محتاج لك جدا'.
وقتها كنت قد قدمت 'جوابات حراجي القط' في الراديو، واكتشف الناس أن اللهجة الصعيدية التي يستمعون إليها في الدراما الإذاعية والتلفزيونية لا صلة بينها وبين لهجة أهل الصعيد، ولا تعبر عن شخصية الصعيد الحقيقية.
سحبني حسين كمال من يدي ليريني مشهدا كاملا من فيلم 'البوسطجي' للراحل يحيى حقي، هو ذلك المشهد الذي يفتح فيه شكري سرحان خطابات القرويين على بخار براد الشاي، وطلب مني حسين كمال أن أقرأ هذه الخطابات بصوتي، فقرأت خطابا طويلا، ثم مرنت عمال الاستديو ليكملوا قراءة الخطابات، إذ ليس من المعقول أن أقرأها جميعا بصوتي.
كان الفيلم التالي بالنسبة إلى حسين كمال هو فيلم 'شيء من الخوف ـ حكاية عتريس وفؤادة'. ومن دون تفكير أرسل سيناريو الفيلم إلي، بعد أن كان وزع الأدوار على الممثلين، لأكتب الأغنيات الملحمية، التي حاولوا تكرارها كثيرا في أعمال أخرى بعد ذلك، وظلت تجربتنا ـ بليغ حمدي وأنا ـ فريدة في هذا المجال.
حين قرأت 'شيء من الخوف' ـ الفيلم لا الرواية ـ قلت لنفسي: هذه الأوراق من الممكن أن تصبح 'تحفة سينمائية' إذا ما أعدت كتابة الحوار الذي كان الراحل صبري عزت كاتب السيناريو قد كتبه من قبل.
هكذا لم أستشر أحدا وطفقت أكتب الفيلم من جديد. وفي الفيلم مشهد محوري يرتكز على فكرة أخذ التوكيل من العروس بواسطة أحد أقاربها أمام الشهود. ولما كان والدي مأذونا شرعيا ـ كما قلت لك من قبل ـ فإن هذا الأمر كان موضوعا يوميا في بيتنا، ما سهل علي مهمة كتابته.
ونقلت الحوار من لهجته البحراوية إلى اللهجة الصعيدية، وأعدت صياغة الفيلم، و'عشقت' الأغنيات مع الحوار. وفي الموعد المحدد ذهبت خائفا من رد فعل حسين كمال على تلك الجريمة التي ارتكبتها من دون استشارة. وفتح حسين كمال جهاز التسجيل ليسجل الأغنيات، فوجدني أقرأ عليه الفيلم كاملا، ولم ينطق بكلمة حتى النهاية.
كنت قد حذفت مشاهد عمل عليها ومن الصعب تغييرها وأضفت أخرى، ومع ذلك استجاب استجابة كاملة لكل ما فعلت. وفي الحال طبع نسخا لكل الممثلين الكبار: محمود مرسي، شادية، محمد توفيق، يحيى شاهين، محمود ياسين (الذي ظهر في السينما للمرة الأولى بدوره في هذا الفيلم)، وما تراه اليوم على الشاشة هو تلك الأوراق التي انكببت عليها أربعة أيام وثلاث ليال فقط.
لم ينجح الفيلم كثيرا حين عرض في زمن النكسة، فقد كان حزن الناس في حاجة إلى أفلام تزيل الهم، لكنه مع الوقت حصل على التقدير الجماهيري الواسع الذي يستحقه، واعتمد علامة بارزة بين كلاسيكيات السينما المصرية.

أغنية الموت

مع أنها بداية مبشرة وقوية، لماذا لم تواصل مسيرتك السينمائية؟
أبدا لم أعتبر السينما مهنة، كما لم أعتبرها إبداعا يقلقني غيابه كما أقلق لو غاب عني الشعر، وظل الأمر خاضعا لقانون الصدفة. وبالصدفة كتبت سيناريو 'أغنية الموت'، وهو فيلم من 50 دقيقة. كانت سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة قد قررت أن تصنع ثلاثة أفلام تستغرق وقت فيلم واحد، ذلك لأن تجربة التلفزيون لفتت انتباهها بشدة. ووقع اختيارها على كتاب 'مسرح المجتمع' لأستاذنا توفيق الحكيم وهو يضم مسرحيات من فصل واحد، واختارت مسرحية 'أغنية الموت'.
وفوجئت بالمخرج سعيد مرزوق يهاتفني قائلا إن فاتن حمامة تريد أن تراني. وفزعت لأنني لم أكن أعرف سعيد مرزوق إلا من خلال أفلامه (مثل زوجتي والكلب) وكانت أفلاما تجريبية غامضة إلى حد ما، لم تحقق جماهيرية على الرغم من قيمتها الفنية العالية.
أما فاتن حمامة التي تربينا على أفلامها، فلم أكن أتخيل أنها تعرفني أو تطلبني بالاسم، لكنني عرفت فيما بعد أنها اختارتني بسبب فيلم 'شيء من الخوف'. فقد أصر حسين كمال على أن يضع اسمي على الحوار، على الرغم من أنني طلبت منه ألا يفعل ذلك خوفا من حساسية الأمر بالنسبة إلي صبري عزت كاتب السيناريو والحوار السابقين.
التقيت فاتن حمامة في شقتها بعمارة ليبون على شاطئ النيل بالجزيرة، وتباسطت معي إلى أبعد الحدود لتزيل إحساسي بالغربة، وأدخلتني في حجرة ذات طراز عربي لا يختلف كثيرا عن بيتي، وغمرتني بإعجابها، وقالت: اقرأ المسرحية، واكتب السيناريو والحوار والأغنية، أريد نصا كاملا، وأنا سأقوم بدور 'عساكر'.
كان المنتج هو صلاح ذو الفقار مرة أخرى. وفي ثلاثة أيام كنت قد كتبت نصا سينمائيا كاملا، وأهم ما كتبته هو بناء الديكور على غرار بيت جدتي 'ست أبوها' في أبنود: الغرفة، السلم الطيني، السور المبني بأزيار الماء المقلوبة، وبناني الحمام، والحمام الذي يخرج منها ليتجول بين الممثلين.
كانت المرة الأولى التي نرى فيها مشاهد كهذه في السينما المصرية، مشاهد تطابق الواقع، لأنك وأنت تجلس في بيت ريفي تهش دجاجة أو تبعد حمامة طوال الوقت. كذلك وصفت الملابس والوشم على الوجوه وباب البيت ذا الضلفة الواحدة الذي يصدر عند فتحه وإغلاقه أنينا يشبه أنين السواقي.
وأخذت فاتن حمامة بهذا العالم الذي استحضرته على الورق، وبتحويل المسرحية الذهنية إلى واقع من لحم ودم، وأصرت على أن أذهب إلى بيتها لتدريبها، وكنت حين أخجل تقول لي: لا أحد معنا لتخجل منه، أريد أن أعرف ما كان سيحدث لو افترضنا أن أمك هي التي كانت ستواجه ما تواجهه 'عساكر' وأنت هو ذلك الفتى الذي ذهب إلى القاهرة، وتعلم في الأزهر، وجاء ليرفض الأخذ بالثأر.
فعلمتها كيف تخبط رأسها على السرير الجريد، وكيف تضرب بطنها وتعاقبها على إنجابها ذلك الولد العاق، وكأنه مازال جنينا في بطنها تريد أن تسقطه.
وفي الاستديو كانت ترفض بدء التصوير إذا لم أكن موجودا، وأطلقوا علي 'الخبير الأجنبي'.
كان من الممكن لهذه التحفة الفنية الفريدة أن يكون حظها أفضل، لولا أنها عرضت صبيحة عيد، فقد كتبت رئيسة التلفزيون آنذاك تأشيرة عجيبة نصها 'كفانا كآبة' ولم تنتبه إلى أن 'الكاتب' هو أستاذنا توفيق الحكيم، وأن البطلة هي فاتن حمامة.
ومن يومها لا يذاع هذا العمل إلا إذا استدعيته في إحدى سهراتي التلفزيونية لأقدم جزءا منه، ومازلت أحلم بأن يبث في وقت جماهيري مناسب، وأعتقد أنه سيلاقي نجاحا مماثلا لنجاح 'شيء من الخوف'.

الطوق والإسورة

وماذا عن فيلمك الآخر، أعني 'الطوق والإسورة'؟
'الطوق والإسورة' هي ـ طبعا ـ رواية صديقنا الراحل يحيى الطاهر عبد الله، ويعلم الجميع أنه عاش معي فترة طويلة في الصعيد وفي القاهرة، وبعد رحيله والاتجاه نحو تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي، كان لا بد من أن يفكر المخرج خيري بشارة في أن يعهد إلي بكتابة الحوار، حيث إننا نقتسم العالم نفسه والتجارب نفسها.
وبالفعل كتبت الفيلم، لكنني دائما متحفظ إزاءه، ذلك لأن لهجتنا فى الصعيد تختلف من قرية إلى قرية ـ ليس فقط من مدينة إلى مدينة أو من محافظة إلى محافظة ـ والخطأ الأكبر في هذا الفيلم أن المخرج استعان ببعض فرق التمثيل بالأقصر لتحفظ الممثلين لهجة لم أكتبها، ولم أفهمها حين قيلت، وأعتقد أنه خطأ قلل كثيرا من نجاح الفيلم الذي كان من الممكن أن ينال شعبية كبيرة جدا.
هذه هي تجاربي في السينما، وهي تجارب لم أسع إليها، ولم أعتبرها 'مهنة'، وهي النظرة نفسها التى تعاملت بها مع أعمالي المسرحية، حيث قدمت لمسرح العرائس 'بعد التحية والسلام'، وللمسرح القومي مسرحية 'جواز سبرتو' وهي مقتبسة من 'زواج فيغارو' ل'بو مارشيه' وليست تمصيرا لها.
هكذا ترى أنني دائما كنت أعمل، لا أنظر إلى ما قدمته من قبل، بل أتجه إلى ما أكتبه الآن، وأظن أن أهم ما قدمته في الفترة الأخيرة هو الدواوين المسموعة، إذ إن أدائي يشكل عنصرا مهما في قصائدي، ولذلك تباع دواويني الآن مقترنة بشرائط أو 'سي دي' مسموع بصوتي.
ما العمل الذي يشغلك الآن؟
حاليا أقدم برنامجا كل صباح هو 'صباح الخير يا خال' وأنت تعرف أنني خال المصريين، ذلك اللقب الذي لا أعرف من أين جاء، وكيف اتفق الناس عليه في لحظة واحدة، فصاروا يختارون لبرامجي أسماء مثل: 'جول يا خال' و'صباح الخير يا خال'.
وفي هذا الأخير أبعث للوجود كل الأزجال القديمة للزجالين العظام، الذين غابت أسماؤهم بسبب مرور الزمن، والتغيرات المتوالية، والقفز من مدرسة الزجل إلى شعر العامية الذي لفت إليه الأنظار بقوة أنست الناس هؤلاء الزجالين الكبار، الذين كان على رأسهم بيرم التونسي.
ويعتبر الجمهور أن إسهامي في جمع فن الزجل وإعادة نشره لا يقل عن إسهامى في جمع 'السيرة الهلالية'. وبعد الزجل سألقي قصائدي كما هي مرتبة في دواويني حسب صدورها.- القبس

الأبنودي في حوار أمام غرفة رشدي قبل رحيلة :

* لقاء خالد فؤاد :
حالة من الحزن الشديد تسيطر هذه الأيام على الشاعر الكبير والجميل عبد الرحمن الأبنودي بسبب وفاة صديق عمره المطرب الشعبي الكبير محمد رشدي. فعمر الصداقة بينهما تجاوز الأربعين عاماً عاشا خلالها ذكريات جميلة ومواقف رائعة وأعمالاً فنية مميزة لا تنسى . . لهذا لم نندهش كثيراً عندما كنا نرى شاعرنا الأبنودي يؤجل كافة مشاريعه وارتباطاته وسفرياته ليظل ملازماً لمحمد رشدي أثناء فترة مرضه رافضاً كافة المحاولات من قبل الأصدقاء والأطباء بل وأقارب (رشدي) أنفسهم بضرورة الراحة في منزله ومباشرة عمله.
ضرب الأبنودي مثالاً حياً ورائعاً لمعنى الصداقة والوفاء قلما نجد مثيلاً له هذه الأيام وهو ما دفعنا للاتصال بشاعرنا الكبير لتحديد موعد لإجراء حوار مطول معه عن ذكرياته ليس مع رشدي فحسب بل مع كل عمالقة الغناء والموسيقى العرب وبداياته مع شعر العامية وكيفية صعوده للقمة بصعوبة بالغة وبعد اتصالات متكررة من جانبنا وافق شاعرنا الكبير إلا أنه اشترط علينا إجراء الحوار بمستشفى السلام الدولي وهو المستشفى الذي كان يرقد فيه محمد رشدي بل أمام غرفته رقم 502 (الرعاية المتوسطة) وذلك حتى يكون الأبنودي كما قال مهيئاً للدخول على رشدي في أي لحظة إذا استدعت الحاجة لذلك فتوجهنا على الفور إلى المستشفى وكان هذا الحوار مع الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي قبيل وفاة صديق عمره بأيام قليلة:
***
قلب حياتي
* سألناه في البداية . . لنترك لك زمام الاختيار . . من أين تحب أن نبدأ معك حوارنا؟
أحب أن نبدأ من محطة هذا الرجل العظيم الذي نجلس بجوار غرفته (محمد رشدي).
* فليكن لك ما أردت . . ولكن لماذا؟
لأنه بلا مبالغة قطعة مني ويمثل منطقة خطيرة في قلب حياتي ولا أستطيع أن أتصور حياتي بدونه، ولهذا أدعو الله ليل نهار أن يشفيه ويعيده لنا جميعاً.
* يقودنا هذا للعودة معك لبداية الرحلة . . رحلتك ورحلته وسر الصداقة العميقة بينكما؟
عشقت الشعر والغناء الشعبي في قريتي (أبنود) وحفظت الكثير من الأغنيات وأنا في مستهل الشباب وما حفظته هو الذي قادني لكتابة (السيرة الهلالية) فيما بعد ومن ابنود بصعيد مصر جئت للقاهرة ومن (دسوق) مركز كفر الشيخ جاء محمد رشدي . . كنت أعرفه وهو لا يعرفني، فقد استمعت لصوته وأنا في (ابنود) وهو يغني (قولوا لمأذون البلد) و(يا أم طرحة معطرة) فشعرت أنه قريب من قلبي جداً واقترب مني بصوته أكثر وأكثر حينما استمعت إليه وهو يشدو (أدهم الشرقاوي) فاخترق بها صدري وصدور الجميع فكنا نلتف حول الراديو بالعشرات لنستمع له.
* وكيف كان أول لقاء جمع بينكما؟
قبل حضوري للقاهرة قمت بإرسال بعض المقطوعات الشعرية للشاعر الكبير صلاح جاهين (رحمه الله) بجريدة الأهرام والمفاجأة أن الرجل قام بنشرها وحينما حضرت للقاهرة وجدت هذه المقطوعات تتحول لأغنية تذاع في الراديو فاندهشت وتوجهت لصلاح جاهين فقال لي إن الأستاذ محمد حسن الشجاعي (مدير الإذاعة) يبحث عنك في كل مكان فتوجهت له وكلفني بكتابة ثلاث أغنيات، واحدة عن السد العالي وقام بغنائها الراحل محمد قنديل، والثانية تذاع حتى اليوم كل صباح بصوت نجاح سلام في برنامج (طريق السلامة) بالراديو وهي (بالسلامة ياحبيبي بالسلامة) والأغنية الثالثة هي أول عمل جمعني بمحمد رشدي (تحت الشجرة يا وهيبه) والتي حققت نجاحاً مدوياً في حينها.
وأذكر أن الأغنيات الثلاثة كتبتها في يوم واحد فقد كنت في هذا الوقت أسكن في عوامة (بالكيت كات) أنا ومجموعة من الأصدقاء ولأننا كنا على فيض الكريم ولا نملك شيئاً كان زميلنا الناقد الراحل سيد خميس يتطوع بدفع الإيجار وحينما توجهت لهم وأبلغتهم بتكليف مدير الإذاعة لي بكتابة ثلاثة أغنيات فرحوا بشدة وتركوا لي العوامة يوماً كاملاً لكي أكتب في مناخ هادئ تماماً، كانت صداقة رائعة.
* ولكننا نعرف أن أغنية (تحت الشجرة يا وهيبة) واجهتها ظروف صعبة ولم تخرج للنور بسهولة . . أليس كذلك؟
هذه حقيقة فأذكر أن الأستاذ الشجاعي لم يبد ارتياحاً لكلماتها وأعادها لي مؤكداً أن الموسيقار منير مراد وغيره من الملحنين رفضوها لكونهم لم يستوعبوا كلماتها فاقترحت عليه أن يعطيها للملحن الصعيدي عبد العظيم عبد الحق لأنه مثلي وسيفهم معناها فاستجاب الشجاعي لطلبي وبالفعل لحنها عبد العظيم عبد الحق ببراعة وأعجب بها الشجاعي وسألني: من الذي في رأيك يمكن أن يغنيها ؟ فأجبته على الفور قائلاً هو شخص واحد فقط الذي غنى أدهم الشرقاوي فقال لي الشجاعي ولكن هذا المطرب تعرض لحادث أتوبيس أثناء سفره للسويس لإحياء حفل هناك حيث أنقلب الاتوبيس وماتت في الحادث المطربة نادية فهمي ولا يستطيع الغناء الآن فقلت له: الحادثة كما أعرف كسرت ذراعه وساقه ولكن هل كسرت صوته؟ فقال لي إذاً عليك أن تذهب وتبحث عنه وتحضره طالما أنك مُصر عليه وعلى الفور توجهت لمعهد الموسيقى العربية لأحصل على تليفونه ولأنني كنت شخصاً مجهولاً أذاقوني الأمرين ورفضوا إعطائي رقم هاتفه وأمام إصراري طلبوه لي هو هاتفياً.
* وكيف كان أول انطباع له عند اتصالك به؟
شعر بملل شديد وعدم ارتياح ورفض إعطائي هاتفه وبعد إلحاح شديد مني أعطاني موعداً في مقهى التجارة الشهير بتجمع المطربين والموسيقيين في شارع محمد علي وحينما ذهبت إليه وجدته يعاملني بتعالٍ وأسلوب ضايقني جداً.
* ولماذا عاملك بهذه الطريقة؟
لقد كان جسدي نحيلا جداً وملابسي كانت متواضعة للغاية أي أن منظري ككل يوحي لمن يراني بأنني إنسان معدم فشعر هو أنني دخيل على الشعر وأسعى لفرض نفسي عليه. فما أكثر ما كان يلتقي بهم بهذا الشكل. وحينما شعرت بهذا التجاهل منه وعدم إبداء أي رغبة لديه في الاستماع لي، قلت له بحدة إنني قادم له من عند الأستاذ (الشجاعي) وكان معروفاً بلقب (بعبع الإذاعة) فاعتدل في جلسته وأجلسني واستمع لي وطار فرحاً بالكلمات وأذكر أنني قضيت هذه الليلة معه. حدثته عن نفسي ومعاناتي ولماذا أعجبت به وطلبت منه الهروب من لقب (مطرب الأفراح) الذي كان مشهوراً به ودون أن نشعر صارت بيننا صداقة واستمع للحن عبد العظيم عبد الحق وأعجب به بشدة . . وهكذا بدأنا مشوارنا سوياً حيث حققت الأغنية نجاحاً مدوياً وأصبح اسمانا على كل لسان، ووجدتني فجأة مؤلف أشهر أغنية في مصر كلها ثم تعرفت على الموسيقار الكبير بليغ حمدي في مكتب الشجاعي أيضاً وقدمنا سوياً مجموعة أغنيات لرشدي من تأليفي والحان بليغ حمدي أذكر منها (بلديات) و(وسع للنور) و(بيتنا الصغير) بينما تعاونت مع عبد العظيم عبد الحق في مجموعة الأغنيات التي غناها رشدي في المسلسلات الشهيرة التي أخرجها نور الدمرداش مثل (الرحيل) و(
الضحية) و(النصيب) وغيرها.
شادية وفايزة
* وهل اقتصرت أعمالك في هذا الوقت على محمد رشدي فقط؟
لا بل انطلقت مع بليغ حمدي بمجموعة من الأغنيات للفنانة شادية أذكر منها (أبو العيون العسلية) و(آه يا أسمراني اللون)، و(زفة البرتقال) و(أسمر يا عنب بلدنا) أي أنني اتخذت خطة مغايرة لكل ما غنته شادية قبل ذلك وهكذا صار الأمر مع فايزة أحمد فكتبت لها (مال عليّ مال، قاعد معايا، يامة يا هوايا، بالي معاك) وحققت أغنياتي كلها مع كل المطربين والمطربات الذين تعاونت معهم نجاحاً وشهرة واسعة.
أنا وعبد الحليم والاعتقال
* جمعتك صداقة قوية بعبد الحليم حافظ وبسببك أتجه للغناء الشعبي كيف حدث هذا ؟
عبد الحليم رحمه الله كان إنساناً بمعنى الكلمة، و كانت بداية معرفتي به في عام 1965 وكانت مجرد معرفة جلسات فنية دون أن نلتقي في أي عمل، وبعد عام واحد من تعارفنا تم اعتقالي بسبب الأشعار السياسية التي كتبتها واعترضت فيها على أشياء عديدة وهاجمت بعض رجال الثورة وبعد الإفراج عني وجدت الجميع يهربون مني ويتهربون من لقائي خوفاً على أنفسهم، ولم أجد سوى محمد رشدي وعبد الحليم حافظ بجانبي، فقد كان طبيعياً لا يهرب مني رشدي أو يبتعد عني، بينما عبد الحليم لم تكن تجمعني به صداقة بنفس القوة وأثناء فترة سجني كان عبد الحليم يرسل لي السجائر والأطعمة رغم أن هذا كان ممنوعاً إلا أنه كان يتوسل من أجلي إلى الأجهزة والوزراء ورجال السلطة وساهم كثيراً في إخراجي من المعتقل وبدأنا بعد هذا رحلة التعاون.
* وكيف استجاب حليم للموجة الشعبية التي فرضتها أنت؟
حليم كان يسعى دائماً أن يكون الأول وبالتالي فإن موجة الغناء الشعبي التي أشعلنا نحن شرارتها من خلال أغاني رشدي وفايزة بالإضافة لما قدمته المطربة الكبيرة نجاة مثل (حمد لله على السلامة) لحن كمال الطويل و(عيون القلب) لحن محمد الموجي وغيرها كان ذلك شيئاً مزعجاً جداً بالنسبة لعبد الحليم ومن هنا قررت اختطافه من التقليدي والانتقال به للموجة الجديدة مع الاحتفاظ بصورته كحليم وعدم التورط (شعبياً) بصورة قوية فكتبت له (أنا كل ما أقول التوبة) وغيرها وحققنا نجاحاً مدوياً بها.
* وكيف نجح هو في دفعك لكتابة أغاني عاطفية له؟
حدث هذا على سبيل التحدي فكنا نجلس في منزله، وكان يقوم بتصوير فيلمه الأخير (أبي فوق الشجرة) ويسعى للعثور على أغنيات مناسبة فاستفزني بشدة بأنني لا أستطيع فتحديته، ودخلت إحدى الغرف في شقته وأغلقتها على نفسي ثلاث ساعات كاملة ثم خرجت له ب(الهوى هوايا) و(أحضان الحبايب) وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً وظلت الأغنيات باقية.
الأغاني الوطنية
* أيضاً قدمت لعبد الحليم مجموعة كبيرة من أهم أغنياته الوطنية حدثنا عن مناسباتها؟
عبد الحليم كان دائماً يقول: (لقد قام الابنودي بدفع رشوة لي متمثلة في أغاني شعبية وعاطفية ليبتزني وطنياً) فقد كان رحمه الله وطنياً لأقصى درجة، وقدمت معه نحو 15 أغنية وطنية مثل (موال النهار) و(ابنك يقول لك يا بطل هات لي النهار) و(صباح الخير ياسيناء) وغيرها.
* نعرف أنك تأثرت بشدة بهزيمة 1967 أكثر مما تأثرت بنصر 1973 بدليل أنك كتبت عشرات الأغنيات الوطنية بعد النكسة بينما لم تكتب سوى أغنية واحدة للنصر وتغنى بها عبد الحليم . . فما مبرراتك؟
نعم هذه حقيقة فمعظم أغنياتي الوطنية قمت بكتابتها في أوقات المحن والهزائم، فقد شعرت بعد وقوع نكسة 1967 بانكسار داخلي لا أستطيع وصفه، ولم أعد أطيق أي شيء حولي حتى أصدقائي وزملائي بل لم أحتمل القاهرة بكل ما فيها ولم أستطع السفر لمسقط رأسي (ابنود) فهربت إلى السويس وأقمت فيها وبدلاً من أن تهدأ نفسي تضاعفت آلامي وجراحي وأنا أرى بعيني ما حدث لهذه المدينة وبيوتها، فكتبت والدموع تنهمر من عيني (يا بيوت السويس) التي تغنى بها محمد حمام ولحنها إبراهيم رجب، ولم أكن أتخيل أنها ستحقق كل هذا النجاح الذي حققته وكتب بها حمام شهادة ميلاده
. .
 و متى عدت من السويس؟
حتى حضر لي عبد الحليم واستفزني بشدة بقوله: إن هروبك يؤكد أنك غير قادر على المواجهة، ولم أكن أعرف أنك ضعيف بهذا الشكل، وأثناء عودتي كتبت الأبيات الأولى لموال (النهار) واستكملتها في القاهرة وأرسلت لعبد الحليم وبليغ حمدي فاستمعا لها، ولأول مرة كنت أرى الدموع تنهمر من عين بليغ حمدي فكنت أشعر وأنا اكتبها بآثار الهزيمة والعار، وفي نفس التوقيت بدأت الصور البشعة تنهال علينا من أرض فلسطين وانعكاسات النكسة على الفلسطينيين، وما فعله اليهود بهم فكتبت اغنية لحنها بليغ حمدي وتوزيع علي إسماعيل وأصر عبد الحليم على أن يغنيها لأول مرة بمسرح البرت هول في لندن أمام آلاف البشر وكان لها صدى واسع للغاية.
أغاني التحريض
* بعض أغانيك أطلقت عليها لقب (أغاني التحريض) ماذا تقصد بهذا المصطلح ؟
مثلي مثل بقية أبناء الشعب لم نكن نستطيع تحمل آثار الهزيمة والهوان فكنا نستعجل الحرب والانتقام فلم يكن يشفي غليلنا ما نسمعه عن مكاسب في حرب الاستنزاف فقمت بجولة شاملة على كافة مدن مصر لايقاظ روح المقاومة والتمسك بأمل الانتصار فقدمت 450 أمسية شعرية، وقدمت ملحمة (وجوه على الشط) التي كان لها صدى واسع على شاطئ قناة السويس، وقدمت مشروع الـ30 أغنية بإذاعة صوت العرب، وكان المشروع يعتمد على التطوع والتبرع أي أننا جميعاً المؤلف والملحن والمطرب لا نتقاضى أي أجر وغنى في هذا المشروع معظم نجوم ونجمات الغناء المصريين والعرب، وظهر لأول مرة صوت عفاف راضي من خلال هذا المشروع وتعرف عليها بليغ حمدي وبدأت رحلتهما سوياً، وكان من أبرز أغاني التحريض التي قدمتها في هذه الفترة لعبد الحليم عام 68 وغيرها . . بينما لم أكتب بعد نصر 1973 سوى أغنية (صباح الخير ياسينا) لعبد الحليم لحن الموسيقار الراحل كمال الطويل، وبعد فترة شاركت في الاحتفاليات التي أقامتها وزارة الإعلام احتفالاً بالنصر مثل (أفراح النصر) و(إنشودة مصرية) وغيرهما.
حكاية عدوية
* نعود للتحدث عن علاقتك بمحمد رشدي والانطلاقة القوية التي حققتماها سوياً والنجاح الساحق الذي صادف مجموعة أعمالكما الأولى وأكدتماه بأغنيتكما الشهيرة (عدوية) فما سر نجاح هذه الأغنية؟
هذه الأغنية لها حكاية طريفة للغاية حيث رأيت فتاه تعمل خادمة في منزل الفنان عبد العظيم عبد الحق، وكانت صغيرة وعندها ضفائر جميلة فسألتها عن أسمها فقالت (عدوية) وهذه الفتاة هي التي أوحت لي بفكرة أغنية (عدوية) فكتبتها ثم أعطيتها لعبد العظيم عبد الحق ليلحنها وبعد فترة وجدته يرسل لي فذهبت لأجده يعيد لي نص الأغنية دون أن يلحنها وحينما سألته أجابني قائلاً: أنت تقول إن عدوية أهه ضحكتها نهار وانها شمس وأسرار . . وبصراحة كلما حاولت تلحين الكلمات وتدخل عليّ عدوية الحقيقية اصطدم بها فيضيع الخيال الموسيقي فأخذت منه الكلمات وأعطيتها لبليغ حمدي الذي طار بها فرحاً وحصلت على أجر 15 جنيهاً دفعة واحدة من محمد رشدي عنها وكان أجراً ضخماً جداً فكانت أجورنا لا تتجاوز الخمسة جنيهات من الإذاعة وبالفعل حققت الأغنية نجاحاً كبيراً للغاية فاق نجاح (تحت الشجرة يا وهيبة) فقد عبر بها رشدي العالم العربي وأوربا وأمريكا بعد أن كان نجاحه محلياً فقط واستمر بعد هذا مشوارنا سوياً بأغنيات (عرباوي) و(حسن يا مغنواتي) ثم قدمنا أفضل أغنيتين في مسيرتنا الطويلة (ياقمر ياسكندراني) و(أنت مين ياللي أنا مش عارفك). وظل الشارع المصري والعربي يردد ما كتبته له (دنيا غرورة وكدابة . . زي السواقي القلابة) وقدمنا بعد هذا (مجاريح) وتوالى مشوارنا بالعديد من الأغنيات الأخرى (يا ليلة ما جاني الغالي) و(شباكك العالي) و(فنجان قهوة) بالإضافة لأغنيات المسلسلات الناجحة مثل (الصبر في الملاحات) و(حارة المحروسة) وغيرها.
* هذا عن أعمالكما الفنية فماذا عن العلاقة الشخصية والإنسانية؟
طيلة الأربعين عاماً الماضية لم يمض يوم واحد إلا ونطمئن على بعضنا البعض ولم تتوقف زياراتنا سواء في المناسبات أو بدون، وحينما كنت أسافر للخارج دون أن أوصيه ببناتي وزوجتي كان يفعل الواجب وأكثر، والعكس صحيح من جانبي وحينما مررت بوعكة صحية قبل خمسة أعوام وقضيت بغرفة العناية المركزة بمستشفى قصر العيني الفرنسي أياماً عصيبة واستلزم الأمر سفري إلى أمريكا لإجراء جراحة في القلب بعد أن اهتم الرئيس مبارك واتصل بي وهو منزعج بشدة وطلب من رئيس الوزراء اتخاذ اللازم فسافرت، وخلال كل هذا لم يفارقني أبداً رشدي وظل بجانبي ومعي طيلة الوقت يجلس على سريري لهذا مهما فعلت معه اليوم لا أستطيع أبداً أن أرد له جميله وتتساقط الدموع من عين شاعرنا الكبير ويواصل فهو أهم إنسان دخل حياتي
.

حكايتي مع عبد الوهاب
* تعاملت مع معظم المطربين والمطربات في العصر الذهبي للأغنية لكن يتردد أن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب أرسل لك إلا أنك رفضت التعامل معه. . لماذا ؟
هذا الكلام مبالغ فيه جداً وتم ترويجه على أسس غير صحيحة، وما حدث هو أن الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب أرسل لي مع الأستاذ مجدي العمروسي (رحم الله الجميع) فتوجهت له على الفور، وليس كما قيل أنني رفضت، وقضيت معه وقتاً طويلاً جداً واكتشفت في هذا اللقاء أننا شخصان مختلفان لا يمكننا قضاء الأوقات الطويلة التي يتطلبها العمل الفني معاً، فاعتذرت له وانسحبت في هدوء ويكمن السبب الرئيسي أنه كيان وأنا كيان مختلف تماماً فأنا (راجل) من طين له تركيبة تجدها في رجل الشارع البسيط بينما هو (محمد عبد الوهاب) ! !
كوكب الشرق
* وكوكب الشرق أم كلثوم قالت في أحد أحاديثها الشهيرة أنك رجل صعيدي (قفل) بعد أن اعترضت على أن تؤدي إحدى أغنياتك في الوقت الذي كان يتسابق كل الشعراء عليها ويحلمون بها . . فما سر اعتراضك ؟
هذه الحكاية مضى عليها 35 عاماً، حينما وجدت الأستاذ وجدي الحكيم يتصل بي ليبلغني أن الأستاذ عبد الحميد الحديدي (رئيس الإذاعة حينئذ) يريد لقائي فوراً وكنت قبل هذا بيومين فقط أجلس في منزل الأستاذ عبد العظيم عبد الحق وكتبت أغنيه قام هو بتلحينها وقمت بنشر الكلمات في صحيفة الأهرام، فقرأتها أم كلثوم، وأخذت الكلمات وأعطتها للموسيقار رياض السنباطي كل هذا دون أن أعرف أي شيء، وحينما ذهبت لرئيس الإذاعة أخبرني بما حدث وأن أم كلثوم تنتظر لتعديل إحدى الكلمات فقلت له إن الأمر بيد عبد العظيم عبد الحق فاتصل به فقال له عبد الحق إذا أرادت أم كلثوم الكلمات فيجب أن تغنيها بلحنه هو، وأيدته فيما قال، فجن جنون الرجل واندهشت أم كلثوم من موقفي الذي لم يحدث أبداً معها من قبل أي شاعر آخر فقالت جملتها هذه أنني صعيدي (قفل) لا أفهم في الإتيكيت وعجزت هي ومن معها عن فهم أنني إنسان ذو مبادئ لا أفرط فيها.
* حدث عداء عنيف بعد هذا بينك وبين أم كلثوم فهل كان سببه هذه الأغنية أم شيء آخر؟
لا كان هناك سبب آخر وهو الأغنية الوطنية (ابنك يقولك يا بطل هات لي النهار) التي تغنى بها عبد الحليم، فقد كنا نسجل أغنيات 67 بالإذاعة وكانت أم كلثوم تقف مع كمال الطويل واستمعت لصوت عبد الحليم يأتي من بعيد وهو يسجل هذه الكلمات فقالت لكمال الطويل انها تريد هذه الأغنية، وطلبت منه أن يحدثني بشأنها، فاقترب مني الطويل بعد انصرافها وأبلغني بما قالته فنظرت إليه ولم أعلق فأدرك ردي عليه، فأبلغها بما حدث فجن جنونها ولم أُبلغ عبد الحليم بهذه الواقعة أبداً.
* تعاونت مع معظم مطربي ومطربات الستينات والسبعينات ونحفظ لك جميعاً العديد من الأغنيات لشحرورة لبنان صباح مثل (ساعات ساعات) ولوردة (قبل النهار ده) و (طبعاً أحباب) فلماذا امتنعت عن التعاون مع مطربي ومطربات هذا الجيل؟
من قال هذا الكلام ؟ ! لقد كتبت لمحمد منير، ومحمد ثروت، وعلي الحجار، ومحمد الحلو، وهاني شاكر، ومدحت صالح، وميادة الحناوي، وغيرهم كثيرين، حتى اندلعت موجة ما يسمى بالأغنية الشبابية والكليبات الخليعة فآثرت الانسحاب.
اخاصمك آه
* هل انسحابك هذا يعني اعتراض على الأصوات الجديدة؟
المشكلة ليست في الأصوات وليس فيما تغنيه لكي استمع إليها وإنما في الصورة البشعة التي ترسخ في أذهان أبنائنا وهذه الأغنيات التي تفرقع ولا تأخذ وقتاً طويلاً للزوال . . هناك أغنيات احتلتنا ليلاً ونهاراً مثل (بحبك أه أخاصمك لا) لهذه الفتاه المسماة بنانسي عجرم ثم اختفت الأغنية وكأنها لم تُغن من قبل . . وهذا شيء عجيب لأن أقل أغنية قدمناها في السابق مازالت على قيد الحياة وغير قابلة للموت.
* ومتى يجب على الشاعر التوقف عن الكتابة ؟
هناك حالات كثيرة لشعراء توقفوا عن الكتابة،وأنا أرى أنه من الشرف عندما يفلس الشاعر أن ينزوي وينطوي على نفسه لا أن يمزق ملابس الآخرين ومؤكد أن إفلاس الشاعر يعود لمحطة الانطلاق في البداية من منطلق غير صادق . . فالصدق حالة دائمة لا يمكن أن تنتهي وهذا لا ينطبق على الشعر فقط بل على مستوى الإبداع بشكل عام.
قضية ضد زوجتي
* شاعرنا الكبير عبد الرحمن الأبنودي نرجو أن تسمح لنا بالابتعاد عن منطقة الغناء والإبداع والاقتراب من حياتك الخاصة وأسباب قيامك مؤخراً برفع دعوى قضائية ضد زوجتك السابقة المخرجة التسجيلية عطيات الابنودي؟
أولاً هناك عشرة طيبة جمعتني بهذه السيدة وقت زواجنا ولم أقف أبداً ضد طموحاتها في أن تكون مخرجة تسجيلية، وحينما طلبت مني أخذ اسمي واقرانه باسمها لم اعترض فأصبح الجميع بعرفها باسم عطيات الابنودي، وكان من المنطقي بعد انفصالنا أن تتخلى عن اللقب وتعود لاسمها الأصلي لا أن تسعى للنجاح على اسمي، أنا فأنذرتها مرة ومرتين وثلاثة دون جدوى وفي النهاية وأمام عنادها لم يكن هناك بديل عن اللجوء للقضاء لكي أجبرها على التخلي عن اسمي والعودة لاسمها الحقيقي.
* وهل تعتقد أنه من الممكن أن تحصل على حكم قضائي لصالحك؟
ما يهمني أولاً وأخيراً هو تعريف الناس بالحقيقة وأنه ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بالأبنودي وليكن ما يكون بعد هذا.
زوجتي وأم بناتي
* فوجئنا بك بعد أن اقتربت من سن الخمسين تعلن عن زواجك من مذيعة التليفزيون نهال كمال التي تصغرك بأعوام عديدة بل وتنتمي لطبقة مختلفة عن طبقتك مما دفع الكثيرين للتأكيد على أن زواجكما لن يستمر طويلاً ورغم هذا ما شاء الله فقد مضى على زواجكما قرابة الـ15 عاماً . . كيف تم الزواج وكيف توافقت الطباع بينكما ؟
أنا نفسي لا أعرف كيف تم هذا، وكل ما أذكره أنها استضافتني في أحد برامجها وحكيت حكاية (فاطمة ومحلاج القطن) و(السيرة الهلالية) وصارت بيننا صداقة قوية ولم أكن أتخيل أننا سنصبح زوجين في بيت واحد وبصدق شديد رأيت معها حياة رائعة وجميلة وأعيش معها ومعنا ابنتينا تماماً مثل حزمة قمح يطوحها النسيم، نسافر للخارج ولداخل الوطن معاً وأحاول دائماً تعويضها عن فارق السن.
* مع نهال كمال عرفت طعم الأبوة على كبر بعد إنجابك منها لابنتيكما آية ونور صف لنا مشاعرك؟
دائماً كنت أتعجب كيف كنت سأغادر هذه الحياة بدون أن أعرف طعم الأبوة . . وأنا أدعي أنني شاعر يجيد التعامل مع المشاعر الإنسانية وظل هذا يثير لدي أسئلة مؤرقة عن شرعية أن تكون في سن الخمسين عاماً وتكون أبنتك في سن الخامسة ونحن لدينا اعتقاداً في أن نجعل أبناءنا صورة منا ولكن هذا يتطلب أن تكون معهم من البداية. أن تتزوج في سن الشباب وتستطيع أن تصنع علاقة مع أطفالك ولا يكون قلبك قد نال كل تلك الضربات أو أن تكون عرفت الدنيا ومفارقات الزمن إلى هذا الحد ويكون بقلبك حزن كبير.. حزن الخبرة والمعاناة . . فما ذنب الطفل هذه الزهرة الخارجة تبحث عن النور في الحياة.
ومن هنا ظلت كثير من الوساوس تشاغلني بعض الأحيان حول: هل كان من حقي أن أنجب وأنا في هذه السن ؟
ولكن إيمان زوجتي بأنها حققت العلاقة القوية التي تبني بيتاً قوياً، هي التي تعطينا جميعاً الأمل في الاستمرار.
* وهل تحرص على التعرف على رأيها في أشعارك وأغانيك ؟
هي تشعر بسعادة كلما وجدتني جالساً بين أوراقي مشغولاً بكتابة شيء فتقوم على الفور من تلقاء نفسها بتهيئة المناخ الذي أعشقه ويتمثل في الهدوء والسكينة ثم أجدها بعد اتجاهي للنوم تطالع ما كتبته وبعد استيقاظي تناقشني فيه.
* وهل بناتك يهوين الشعر؟
الشعر لا يورث . . وعلى الابن أن يبدأ من حيث هو لا من حيث انتهى أبوه وبالنسبة لابنتي (آية) فقد لاحظت أنها مهتمة بالأغنيات الحديثة العربية والغربية فناقشتها في ذلك فقالت لي: هل يعني ذلك أنني لا أعرف أشعارك فانطلقت تقول شعري في أكثر من مكان كما حدث في معرض القاهرة الدولي للكتاب وعندما فرح بها الناس ردت بأنها فعلت ذلك لتثبت لي أنها تعرف من هو عبد الرحمن الأبنودي ولكنها توقفت لأن لها طريقاً آخر قد لا تدركه الآن.
* وما رأيك فيمن يصرون على دفع أبنائهم للسير على دربهم سواء كانوا ممثلين أو مطربين أو غير هذا؟
من يسعون لتصنيع أبنائهم بداخل مصنع بمعنى أن يجعلوا منهم ممثلين أو موسيقيين أو شعراء فإن ذلك كله ينتهي إلى لا شيء، وأنظر حولك ستجد أمثلة كثيرة لذلك، ولهذا أنا لم أجبر بناتي على المشاهدة أو الاستماع لما أقوله في أحد البرامج، فأنا سعيد بهن وسعيد بأنني منحتهن الحرية عكس والدي الشيخ الأبنودي الذي أصر على أن أدرس تعليماً دينياً في الأزهر الشريف فهربت، وأصر أن أكتب أشعاراً بالفصحى فرفضت بل إنه مزّق أول ديوان شعر بالعامية لي فقاومت، وأنا لا أريد أن أعرض بناتي لتلك القسوة التي تعرضت لها.
* إلى هنا توقف شاعرنا الكبير عن الكلام بعد أن تجاوز حديثه معنا حاجز الثلاث ساعات توقف خلالها أربع مرات عن الحديث ليتوجه لغرفة محمد رشدي ليطمئن عليه ثم يتشاور مع الأطباء ويعود ليواصل الحديث إلا أنه هذه المرة طالبنا بالتوقف عند هذا الحد لرغبته في الجلوس إلى جانب صديقه وكأنه كان يشعر بقرب رحيله

Other Celebrity Gossip

 
الأبنودى يتوجه إلى باريس لتلقى العلاج
 
عبد الرحمن الأبنودى

غادر القاهرة -الأحد- الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى، متوجها إلى باريس، على متن طائرة خاصة مجهزة طبيا لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة بمستشفى البحرية الأمريكية بفرنسا، وتلقى العلاج من الأزمة الصحية التى تعرض لها مؤخرا.

وحرص الأبنودى، لدى وصوله إلى مطار القاهرة، على السير على قدميه من صالة السفر الخاصة رقم 4 وحتى الطائرة، رغم ماظهر عليه من إرهاق وألم، وغادر على الطائرة الخاصة، وهى من طراز "إمبراير 135"، مجهزة بسرير وأجهزة طبية، ليتلقى العلاج والرعاية طوال الرحلة، حيث يعانى أيضا من آلام فى غضروف العمود الفقرى.

وكان الأبنودى قد أصر على أن لا يرافقه أحد من أقاربه على الطائرة، وطلب من زوجته الإعلامية نهال كمال أن تبقى فى القاهرة لرعاية إبنتيه آية و نور

السينما في حياتي مجرد مصادفة

07/08/2007  أجرى الحوار: محمد القدوسي
عبد الرحمن الأبنودي اسم اعتدنا أن نذكره مسبوقا بصفة 'الشاعر'، مع أنه مبدع متعدد الوجوه، هو الشاعر ـ طبعا ـ وهو أيضا كاتب صحافي، ودارس للتراث ومحقق له، لا باعتباره الباحث الذي جمع 'السيرة الهلالية' وحفظها من الاندثار فحسب، لكن ـ أيضا ـ نظرا إلى المهمة التي يقوم بها حاليا لنفض الغبار عن جانب مجهول من تاريخ فن الزجل، وبين هذا وذاك فإنه يمتلك رؤية موثقة عن 'ابن عروس' وما نسب إليه من رباعيات.
ومن وجوه هذا المبدع التي تحتاج إلى مزيد من التعريف بها وجهه ككاتب درامي، قدم أعمالا للمسرح والسينما، وهو الوجه الذي حاولت تقديمه على 'مرآة' هذا الحوار.
سألته عن الأفلام الثلاثة التي شارك فيها بكتابة السيناريو والحوار، وعن صلته بالسينما فقال إنه لم يعتبرها ـ كما لم يعتبر المسرح ـ مهنة. ولأن الاستغراق في العمل الذي يقوم به جزء من طبيعته، أشار في نهاية الحوار إلى برنامجه التلفزيوني 'صباح الخير يا خال'.
سألته عن بداية تجربته مع السينما، فأجاب:
تجربتي السينمائية محض صدفة، مثل كثير من إبداعاتي. قلت لك من قبل إن الشعر كان محض صدفة، حين عرفنا ـ أمل دنقل وأنا ـ أننا لن نذهب إلى 'بورسعيد' للمشاركة مع المقاومة الشعبية أثناء العدوان الثلاثي (1956) فخرج الشعر تلقائيا ولم أكن أقصد إليه. كذلك فإن الكتابة النثرية كانت بضغط من الأصدقاء مسؤولي الصحف، وهي تجربة كنت مرعوبا منها، إلى أن طمأنني الناس شيئا فشيئا، وحققت الكتابات جماهيرية، وبالذات 'أيامي الحلوة' التي كنت أنشرها في 'الأهرام'، وقدمتها مع زوجتي نهال كمال في حلقات رمضانية تلفزيونية.
حتى تجربتي الغنائية حكمتها ـ دائما ـ المصادفة، والواقع أنني أكره الكتابة، لا أحبها وأخوضها مجبرا.

شيء من الخوف

بدأت مع فيلم من علامات السينما المصرية هو 'شيء من الخوف'، فهل كان هذا بالمصادفة؟
نعم، فقد كنا مجموعة أصدقاء: حسين كمال مخرج الفيلم، وصلاح ذو الفقار منتجه، وبليغ حمدي واضع موسيقاه، وشادية بطلة الفيلم، وكنت قد كتبت لها بعض الأغنيات، وكانت في ذلك الوقت زوجة صلاح ذو الفقار. كنت في عمل ما باستديو 'نحاس'، حين التقيت المخرج حسين كمال فصرخ في قائلا: 'أنت فين، أنا محتاج لك جدا'.
وقتها كنت قد قدمت 'جوابات حراجي القط' في الراديو، واكتشف الناس أن اللهجة الصعيدية التي يستمعون إليها في الدراما الإذاعية والتلفزيونية لا صلة بينها وبين لهجة أهل الصعيد، ولا تعبر عن شخصية الصعيد الحقيقية.
سحبني حسين كمال من يدي ليريني مشهدا كاملا من فيلم 'البوسطجي' للراحل يحيى حقي، هو ذلك المشهد الذي يفتح فيه شكري سرحان خطابات القرويين على بخار براد الشاي، وطلب مني حسين كمال أن أقرأ هذه الخطابات بصوتي، فقرأت خطابا طويلا، ثم مرنت عمال الاستديو ليكملوا قراءة الخطابات، إذ ليس من المعقول أن أقرأها جميعا بصوتي.
كان الفيلم التالي بالنسبة إلى حسين كمال هو فيلم 'شيء من الخوف ـ حكاية عتريس وفؤادة'. ومن دون تفكير أرسل سيناريو الفيلم إلي، بعد أن كان وزع الأدوار على الممثلين، لأكتب الأغنيات الملحمية، التي حاولوا تكرارها كثيرا في أعمال أخرى بعد ذلك، وظلت تجربتنا ـ بليغ حمدي وأنا ـ فريدة في هذا المجال.
حين قرأت 'شيء من الخوف' ـ الفيلم لا الرواية ـ قلت لنفسي: هذه الأوراق من الممكن أن تصبح 'تحفة سينمائية' إذا ما أعدت كتابة الحوار الذي كان الراحل صبري عزت كاتب السيناريو قد كتبه من قبل.
هكذا لم أستشر أحدا وطفقت أكتب الفيلم من جديد. وفي الفيلم مشهد محوري يرتكز على فكرة أخذ التوكيل من العروس بواسطة أحد أقاربها أمام الشهود. ولما كان والدي مأذونا شرعيا ـ كما قلت لك من قبل ـ فإن هذا الأمر كان موضوعا يوميا في بيتنا، ما سهل علي مهمة كتابته.
ونقلت الحوار من لهجته البحراوية إلى اللهجة الصعيدية، وأعدت صياغة الفيلم، و'عشقت' الأغنيات مع الحوار. وفي الموعد المحدد ذهبت خائفا من رد فعل حسين كمال على تلك الجريمة التي ارتكبتها من دون استشارة. وفتح حسين كمال جهاز التسجيل ليسجل الأغنيات، فوجدني أقرأ عليه الفيلم كاملا، ولم ينطق بكلمة حتى النهاية.
كنت قد حذفت مشاهد عمل عليها ومن الصعب تغييرها وأضفت أخرى، ومع ذلك استجاب استجابة كاملة لكل ما فعلت. وفي الحال طبع نسخا لكل الممثلين الكبار: محمود مرسي، شادية، محمد توفيق، يحيى شاهين، محمود ياسين (الذي ظهر في السينما للمرة الأولى بدوره في هذا الفيلم)، وما تراه اليوم على الشاشة هو تلك الأوراق التي انكببت عليها أربعة أيام وثلاث ليال فقط.
لم ينجح الفيلم كثيرا حين عرض في زمن النكسة، فقد كان حزن الناس في حاجة إلى أفلام تزيل الهم، لكنه مع الوقت حصل على التقدير الجماهيري الواسع الذي يستحقه، واعتمد علامة بارزة بين كلاسيكيات السينما المصرية
.

أغنية الموت

مع أنها بداية مبشرة وقوية، لماذا لم تواصل مسيرتك السينمائية؟
أبدا لم أعتبر السينما مهنة، كما لم أعتبرها إبداعا يقلقني غيابه كما أقلق لو غاب عني الشعر، وظل الأمر خاضعا لقانون الصدفة. وبالصدفة كتبت سيناريو 'أغنية الموت'، وهو فيلم من 50 دقيقة. كانت سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة قد قررت أن تصنع ثلاثة أفلام تستغرق وقت فيلم واحد، ذلك لأن تجربة التلفزيون لفتت انتباهها بشدة. ووقع اختيارها على كتاب 'مسرح المجتمع' لأستاذنا توفيق الحكيم وهو يضم مسرحيات من فصل واحد، واختارت مسرحية 'أغنية الموت'.
وفوجئت بالمخرج سعيد مرزوق يهاتفني قائلا إن فاتن حمامة تريد أن تراني. وفزعت لأنني لم أكن أعرف سعيد مرزوق إلا من خلال أفلامه (مثل زوجتي والكلب) وكانت أفلاما تجريبية غامضة إلى حد ما، لم تحقق جماهيرية على الرغم من قيمتها الفنية العالية.
أما فاتن حمامة التي تربينا على أفلامها، فلم أكن أتخيل أنها تعرفني أو تطلبني بالاسم، لكنني عرفت فيما بعد أنها اختارتني بسبب فيلم 'شيء من الخوف'. فقد أصر حسين كمال على أن يضع اسمي على الحوار، على الرغم من أنني طلبت منه ألا يفعل ذلك خوفا من حساسية الأمر بالنسبة إلي صبري عزت كاتب السيناريو والحوار السابقين.
التقيت فاتن حمامة في شقتها بعمارة ليبون على شاطئ النيل بالجزيرة، وتباسطت معي إلى أبعد الحدود لتزيل إحساسي بالغربة، وأدخلتني في حجرة ذات طراز عربي لا يختلف كثيرا عن بيتي، وغمرتني بإعجابها، وقالت: اقرأ المسرحية، واكتب السيناريو والحوار والأغنية، أريد نصا كاملا، وأنا سأقوم بدور 'عساكر'.
كان المنتج هو صلاح ذو الفقار مرة أخرى. وفي ثلاثة أيام كنت قد كتبت نصا سينمائيا كاملا، وأهم ما كتبته هو بناء الديكور على غرار بيت جدتي 'ست أبوها' في أبنود: الغرفة، السلم الطيني، السور المبني بأزيار الماء المقلوبة، وبناني الحمام، والحمام الذي يخرج منها ليتجول بين الممثلين.
كانت المرة الأولى التي نرى فيها مشاهد كهذه في السينما المصرية، مشاهد تطابق الواقع، لأنك وأنت تجلس في بيت ريفي تهش دجاجة أو تبعد حمامة طوال الوقت. كذلك وصفت الملابس والوشم على الوجوه وباب البيت ذا الضلفة الواحدة الذي يصدر عند فتحه وإغلاقه أنينا يشبه أنين السواقي.
وأخذت فاتن حمامة بهذا العالم الذي استحضرته على الورق، وبتحويل المسرحية الذهنية إلى واقع من لحم ودم، وأصرت على أن أذهب إلى بيتها لتدريبها، وكنت حين أخجل تقول لي: لا أحد معنا لتخجل منه، أريد أن أعرف ما كان سيحدث لو افترضنا أن أمك هي التي كانت ستواجه ما تواجهه 'عساكر' وأنت هو ذلك الفتى الذي ذهب إلى القاهرة، وتعلم في الأزهر، وجاء ليرفض الأخذ بالثأر.
فعلمتها كيف تخبط رأسها على السرير الجريد، وكيف تضرب بطنها وتعاقبها على إنجابها ذلك الولد العاق، وكأنه مازال جنينا في بطنها تريد أن تسقطه.
وفي الاستديو كانت ترفض بدء التصوير إذا لم أكن موجودا، وأطلقوا علي 'الخبير الأجنبي'.
كان من الممكن لهذه التحفة الفنية الفريدة أن يكون حظها أفضل، لولا أنها عرضت صبيحة عيد، فقد كتبت رئيسة التلفزيون آنذاك تأشيرة عجيبة نصها 'كفانا كآبة' ولم تنتبه إلى أن 'الكاتب' هو أستاذنا توفيق الحكيم، وأن البطلة هي فاتن حمامة.
ومن يومها لا يذاع هذا العمل إلا إذا استدعيته في إحدى سهراتي التلفزيونية لأقدم جزءا منه، ومازلت أحلم بأن يبث في وقت جماهيري مناسب، وأعتقد أنه سيلاقي نجاحا مماثلا لنجاح 'شيء من الخوف'.

الطوق والإسورة

وماذا عن فيلمك الآخر، أعني 'الطوق والإسورة'؟
'الطوق والإسورة' هي ـ طبعا ـ رواية صديقنا الراحل يحيى الطاهر عبد الله، ويعلم الجميع أنه عاش معي فترة طويلة في الصعيد وفي القاهرة، وبعد رحيله والاتجاه نحو تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي، كان لا بد من أن يفكر المخرج خيري بشارة في أن يعهد إلي بكتابة الحوار، حيث إننا نقتسم العالم نفسه والتجارب نفسها.
وبالفعل كتبت الفيلم، لكنني دائما متحفظ إزاءه، ذلك لأن لهجتنا فى الصعيد تختلف من قرية إلى قرية ـ ليس فقط من مدينة إلى مدينة أو من محافظة إلى محافظة ـ والخطأ الأكبر في هذا الفيلم أن المخرج استعان ببعض فرق التمثيل بالأقصر لتحفظ الممثلين لهجة لم أكتبها، ولم أفهمها حين قيلت، وأعتقد أنه خطأ قلل كثيرا من نجاح الفيلم الذي كان من الممكن أن ينال شعبية كبيرة جدا.
هذه هي تجاربي في السينما، وهي تجارب لم أسع إليها، ولم أعتبرها 'مهنة'، وهي النظرة نفسها التى تعاملت بها مع أعمالي المسرحية، حيث قدمت لمسرح العرائس 'بعد التحية والسلام'، وللمسرح القومي مسرحية 'جواز سبرتو' وهي مقتبسة من 'زواج فيغارو' ل'بو مارشيه' وليست تمصيرا لها.
هكذا ترى أنني دائما كنت أعمل، لا أنظر إلى ما قدمته من قبل، بل أتجه إلى ما أكتبه الآن، وأظن أن أهم ما قدمته في الفترة الأخيرة هو الدواوين المسموعة، إذ إن أدائي يشكل عنصرا مهما في قصائدي، ولذلك تباع دواويني الآن مقترنة بشرائط أو 'سي دي' مسموع بصوتي.
ما العمل الذي يشغلك الآن؟
حاليا أقدم برنامجا كل صباح هو 'صباح الخير يا خال' وأنت تعرف أنني خال المصريين، ذلك اللقب الذي لا أعرف من أين جاء، وكيف اتفق الناس عليه في لحظة واحدة، فصاروا يختارون لبرامجي أسماء مثل: 'جول يا خال' و'صباح الخير يا خال'.
وفي هذا الأخير أبعث للوجود كل الأزجال القديمة للزجالين العظام، الذين غابت أسماؤهم بسبب مرور الزمن، والتغيرات المتوالية، والقفز من مدرسة الزجل إلى شعر العامية الذي لفت إليه الأنظار بقوة أنست الناس هؤلاء الزجالين الكبار، الذين كان على رأسهم بيرم التونسي.
ويعتبر الجمهور أن إسهامي في جمع فن الزجل وإعادة نشره لا يقل عن إسهامى في جمع 'السيرة الهلالية'. وبعد الزجل سألقي قصائدي كما هي مرتبة في دواويني حسب صدورها.-
القبس

الأبنودى يتوجه إلى باريس لتلقى العلاج
 
عبد الرحمن الأبنودى

غادر القاهرة -الأحد- الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى، متوجها إلى باريس، على متن طائرة خاصة مجهزة طبيا لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة بمستشفى البحرية الأمريكية بفرنسا، وتلقى العلاج من الأزمة الصحية التى تعرض لها مؤخرا.

وحرص الأبنودى، لدى وصوله إلى مطار القاهرة، على السير على قدميه من صالة السفر الخاصة رقم 4 وحتى الطائرة، رغم ماظهر عليه من إرهاق وألم، وغادر على الطائرة الخاصة، وهى من طراز "إمبراير 135"، مجهزة بسرير وأجهزة طبية، ليتلقى العلاج والرعاية طوال الرحلة، حيث يعانى أيضا من آلام فى غضروف العمود الفقرى.

وكان الأبنودى قد أصر على أن لا يرافقه أحد من أقاربه على الطائرة، وطلب من زوجته الإعلامية نهال كمال أن تبقى فى القاهرة لرعاية إبنتيه آية و نور